محمد عبد الله دراز
200
دستور الأخلاق في القرآن
ويمكن القول إجمالا بأنّه يتكون في ثلاث مراحل : آ - إثبات حدث أوّلي . ب - تحليل يسمح بالارتقاء إلى أعلى درجات العمومية . ج - هبوط مرة أخرى لوضع القواعد الأساسية للأخلاق الإنسانية . * * * آ - إنّ نقطة البداية في النّظرية الكانتية تنحصر في هذا الواقع المحسوس ، الّذي يقدمه الضّمير مباشرة ، أعني : أننا في أحكامنا الأخلاقية لا نزن الأعمال مطلقا بالقياس إلى نتائجها الطّيبة ، أو السّيئة ، ولكنا نزنها بالقياس إلى قاعدة عامة صالحة للتطبيق على جميع الأفراد ، ومستقلة عن جميع النّتائج ، وتلك حقيقة لا مجال للطعن فيها . فنحن - بدلا من أن نجعل البحث عن اللّذة ، والهروب من الألم مبدأ للتقدير الأخلاقي - نستحسن الأعمال الفاضلة بقدر ما تشق علينا . ونحن نعجب إلى أقصى حدّ بالنفوس القوية الّتي تعرف كيف تقاوم كلّ ضروب الإغراء ، وتتخطى جميع العقبات . ونحن - قبل أن نمنح أنفسنا الحقّ في إخضاع قاعدة سلوكنا الخاص لأحوالنا الشّخصية - نعرف أنّ من واجبنا أن نقيسها على القاعدة الّتي نتطلبها من الآخرين : « كلّ ما تريدون أن يفعل النّاس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم » « 1 » ، ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ « 2 » ، ويمضي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى حدّ أن يجعل
--> ( 1 ) إنجيل متى - القسم - الإصحاح السّابع : 12 . ( 2 ) البقرة : 267 .